ترى لبنى درويش، مديرة قسم المناصرة في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن تصريحات رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بشأن إعداد "أطر تنفيذية لمواجهة المخاطر السلبية لمواقع التواصل الاجتماعي" تثير مخاوف من توسيع نطاق المراقبة وتجريم أشكال جديدة من التعبير على الإنترنت، مشيرة إلى أن أي إجراءات تنظيمية تعتمد على مصطلحات فضفاضة مثل "القيم المجتمعية" و"السلام الاجتماعي" قد تتحول إلى أدوات لتقييد حرية الرأي.


ونشرت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية ورقة موقف تناولت فيها إعلان الحكومة مراجعة القوانين القائمة وتشديد العقوبات وتفعيل وحدة داخل الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات لمتابعة "المخالفات"، محذرة من أن هذه الخطوات قد تؤدي إلى إنشاء منظومة رقابية دائمة تراقب المحتوى الرقمي وتلاحق المستخدمين دون معايير واضحة أو رقابة مستقلة.


تحذيرات من توسيع التجريم عبر قوانين غامضة


أعلنت الحكومة في 29 يوليو أنها تستعد لوضع أطر تنفيذية لمواجهة ما وصفته بالمخاطر السلبية لمواقع التواصل الاجتماعي، بهدف حماية "السلم والأمن الاجتماعي" و"الآداب العامة" و"العادات والتقاليد" و"سمعة الأفراد والأسر". وبحسب المبادرة، فإن الخطة الحكومية تسير في مسارين رئيسيين، أولهما تشريعي عبر مراجعة القوانين الحالية ورفع قيمة الغرامات وتسريع الإجراءات القانونية، والثاني مؤسسي عبر تفعيل وحدة داخل الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات لمراقبة "الانتهاكات" والتنسيق بين الجهات المعنية.


وترى المبادرة أن هذه الإجراءات تثير القلق في ظل غياب تعريفات دقيقة للمصطلحات المستخدمة، إذ قد تؤدي مراجعة التشريعات إلى استحداث جرائم جديدة تعتمد على مفاهيم غير محددة مثل "العادات والتقاليد المصرية" و"القيم المجتمعية" و"السلام الاجتماعي"، أو زيادة العقوبات المرتبطة بمواد تقيد حرية التعبير.


كما حذرت من أن المسار المؤسسي قد يحول الوحدة الجديدة إلى جهاز دائم لمراقبة المحتوى وتصنيف الحسابات وجمع البيانات وإحالة المستخدمين إلى جهات التحقيق، دون وجود معايير معلنة أو أوامر قضائية أو رقابة مستقلة تحدد نطاق عملها.


تجريم المحتوى غير السياسي تحت شعار "قيم الأسرة المصرية"


أكدت المبادرة أن فهم الخطوة الحكومية يتطلب النظر إلى طريقة استخدام تهمة "انتهاك قيم الأسرة المصرية" خلال السنوات الماضية، موضحة أن هذا الاتهام أُدخل إلى النظام القانوني لأول مرة عام 2018، ثم استخدم على نطاق واسع ضد محتوى منشور عبر الإنترنت.


وأشارت إلى أن الحملات بدأت باستهداف عدد من صانعات المحتوى الشابات، ثم توسعت لتشمل مئات الأشخاص وأشكالًا متعددة من التعبير والعمل الرقمي والمحتوى المرتبط بالحياة اليومية.


وبحسب الورقة البحثية، يكشف هذا المسار كيف يمكن لعبارات قانونية غامضة أن تتحول إلى أداة لتجريم حرية التعبير، خاصة عندما تدعمها أجهزة إدارية وقضائية قادرة على توسيع نطاق تطبيقها.


وأضافت أن الانتقال من ملاحقة الصحفيين والمعارضين السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان إلى ملاحقة صناع المحتوى الترفيهي لا يقل طابعًا سياسيًا، لأنه يعكس محاولة لفرض تصورات محددة حول المظهر والصوت وطريقة الحديث والعمل وأشكال التعبير المقبولة اجتماعيًا.


ولفتت المبادرة إلى أن نطاق التجريم توسع منذ عام 2020 ليشمل الرقص، وتقليد الأغاني، والكوميديا، والملابس، وطريقة الكلام أمام الكاميرا، وتقديم خدمات التجميل والوشوم، ومشاركة تفاصيل الحياة اليومية، وتحقيق دخل عبر المنصات الرقمية، تحت ذريعة حماية "قيم الأسرة المصرية".


ست سنوات من الملاحقات ومخاوف من جهاز رقابي جديد


أوضحت المبادرة أن تقريرها حول ملاحقة المحتوى الإلكتروني باسم "قيم الأسرة المصرية" وثق ما لا يقل عن 545 قضية أو واقعة ملاحقة بحق 626 شخصًا منذ عام 2020، بينهم 392 امرأة و234 رجلًا، في 17 محافظة على الأقل حتى نهاية يوليو 2026.


وأكدت أن هذه الأرقام لا تمثل الحصر الكامل، لكنها تكشف عن نمط متكرر تشارك فيه جهات إنفاذ القانون والنيابة العامة والمحاكم ووسائل الإعلام وبعض مقدمي البلاغات من الأفراد.


وترى المبادرة أن توسع هذه القضايا يعكس تحولها إلى سياسة مستمرة، خاصة مع ارتفاع أعداد الملاحقات منذ صيف 2025 واستمرارها خلال عام 2026.


كما أشارت إلى أن هذه الحملات بدأت باستهداف فئات يمكن عزلها اجتماعيًا، خاصة صانعات المحتوى من خلفيات اقتصادية محدودة، عبر اتهامات مثل الاتجار بالبشر وغسل الأموال، ما ساهم في خلق حالة من الوصم المجتمعي حولهن.


وأضافت أن نشر صور المقبوض عليهم ومقتنياتهم قبل صدور أحكام نهائية أصبح جزءًا من العقوبة الاجتماعية، إذ يتحول التشهير العلني إلى عقوبة تسبق المحاكمة حتى في حال انتهاء القضية بالبراءة.


مواجهة الضرر لا تجريم الوسيلة


شددت المبادرة على ضرورة التمييز بين مواجهة الجرائم التي تُرتكب باستخدام التكنولوجيا وبين اعتبار استخدام التكنولوجيا نفسها سببًا للمسؤولية الجنائية.


وأوضحت أن جرائم مثل التهديد والابتزاز والتشهير وانتهاك الخصوصية ونشر الصور دون موافقة تعد أفعالًا ضارة سواء ارتُكبت عبر الإنترنت أو خارجه، وأن الحل لا يكون عبر التعامل مع الإنترنت باعتباره مصدر الخطر ذاته.


وأكدت أن حماية الأطفال من الاستغلال والابتزاز والانتهاكات الرقمية تتطلب إجراءات فعالة وضمانات واضحة، لكنها لا تبرر مراقبة المجال الرقمي بالكامل أو تجريم تعبيرات لا تعد جرائم خارج الإنترنت.


كما حذرت من أن استخدام عبارات مثل "الإضرار بالاقتصاد الوطني" في سياق تنظيم مواقع التواصل قد يؤدي إلى تجريم النقاشات المتعلقة بالديون والتضخم ونقص السلع وتراجع الأجور والخدمات العامة، رغم أن هذه الموضوعات تدخل ضمن الحق في التعبير عن الأوضاع الاقتصادية.


وأوضحت أن الضرر الحقيقي بالاقتصاد لا يجب الخلط بينه وبين الإضرار بصورة الحكومة أو الرواية الرسمية حول الوضع الاقتصادي، مؤكدة أن مواجهة الآراء المختلفة تكون عبر توفير المعلومات والشفافية والنقاش العام، وليس باستخدام القانون الجنائي.


المبادرة تحذر من منظومة مراقبة بلا أساس قانوني واضح


أثارت المبادرة تساؤلات حول الوحدة التي أعلن وزير الاتصالات عن إنشائها داخل الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات لمتابعة "المخالفات"، مشيرة إلى غياب معلومات واضحة حول أساس إنشائها، وصلاحياتها، وطريقة تحديد المخالفات، والجهات التي تشرف عليها.


وحذرت من أن عمليات المراقبة قد تشمل جمع أسماء المستخدمين وصورهم وحساباتهم وأنماط نشاطهم، بما قد يسمح باستنتاج معلومات سياسية أو اجتماعية أو أمنية عن الأفراد.


وأكدت أن الإعلان الحكومي لم يوضح مدى خضوع هذه الوحدة لقوانين حماية البيانات الشخصية أو تنظيم الاتصالات، كما لم يحدد مدة الاحتفاظ بالبيانات أو الجهات التي يمكنها الوصول إليها أو حقوق الأفراد في معرفة بياناتهم أو الاعتراض على استخدامها.


واعتبرت المبادرة أن إنشاء جرائم جديدة لملاحقة "المحتوى غير الأخلاقي" أو مراقبة المواطنين بحثًا عنه لا يحمي ضحايا الانتهاكات، بل يحول الموارد المؤسسية نحو ملاحقة التعبير، داعية إلى التركيز على حماية المتضررين والتحقيق في البلاغات ومحاسبة مرتكبي الجرائم الرقمية.


واختتمت المبادرة موقفها بالتأكيد على أن تجربة السنوات الست الماضية تظهر خطورة تحويل مفاهيم أخلاقية غامضة إلى أساس للملاحقة الجنائية، معتبرة أن توسيع هذه السياسات قد يؤدي إلى ترسيخ الرقابة وتجريم التعبير، وأن التصريحات الحكومية الأخيرة تعكس، بحسب وصفها، توجهًا نحو التضييق على قدرة المصريين في التعبير عن آرائهم ومخاوفهم عبر الإنترنت.

 

https://eipr.org/en/publications/pm-statements-%E2%80%9Cregulating%E2%80%9D-social-media-threaten-expanded-surveillance-and